ذات يوم عادت أختي نهى من مدرستها وعلامات انكسار تعلو وجهها، وكلما حاولنا سؤالها عما يضايقها تكتفي بالصمت. وبعد مدة أخذت تتحدث عن المدرسة وواجباتها وطلبات المعلمات منها فكان من بينها أن إحداهن طلبت منها إلقاء كلمة عن فقد الأب ومرارته في احتفال عن اليتيم أمام جمع غفير من الناس!
تذكرت حينها مباشرة حين كنا أطفالاً وجُمعنا في ذلك المسرح المدرسي ووقفت أمامنا فتاة فقدت والدتها تلقي كلمة عن فقد الأم ومرارته! لازلت أذكر جيداً ملامحها، لازلت أذكر أن اسمها نجمة صاحبة الحاجبين المقرونين، لازلت أذكر كيف ذرفت الدمع وهي تتحدث أمامنا حتى كاد يغشى عليها فتوقفت، ثم أعادوها رغماً عنها فبدأت تعيد الكلمات التي وقعت على قلبها المكلوم وقع السهام حتى سقطت على الأرض قبل أن تكمل كلمتها!!
بعد رفضنا جميعا (أنا وأمي وإخوتي) لمثل هذا الطلب اصطحبوها إلى الاحتفال للمشاهدة لا المشاركة فعادت تحكي لنا عن موقف لا يختلف كثيراً عن موقف نجمة.. كيف لا والجرح واحد والألم واحد والفقد لا يعرف صغيراً أو كبيراً..
عجبت كيف أن المعلمة "مربية الأجيال" منذ ذلك الزمان وحتى اليوم لا تزال تظن أن هذه هي خير طريقة لنصح الطلاب، وترغيبهم في بر الوالدين قبل فوات الأوان.. وحتى تؤكد لنا كيف ستمتلئ قلوبنا حسرة وندماً على فراقهم فإنها اتخذت من دموع الأيتام نموذجاً حياً..
عجبت لهم كيف يغفلون عن وصايا الإحسان إلى اليتيم والرفق به..
عجبت لهم كيف لم يفهموا قول الله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"
كيف يجمعون على هذا القلب مصيبتين؛ آلام جرح لا يندمل وفقيد لن يعود..
لا أخفيكم أني بعد دموع نجمة لم أكن قادرة على الاقتراب منها وممن كان في مثل حالها.. لم يكن بوسعي أن أتحدث معهم خوفاً من شئ لا أعلمه!
علمونا أن الفقد دموع وانكسار وأحزان متتالية وأن من فقد شيئاً فقد نقص قدره بين الناس! حتى كنت ـ وبلا مبالغة ـ أحذر أشد الحذر من التعامل مع أي يتيم، وأبتعد عنهم ما استطعت.. إلى أن كتب الله علي أن أكون منهم فعلمت حينها أن بين جنبي اليتيم قلب رقيق موجوع يدافع عنه بما يظنه غيره شراسة وعناداً!!
كنا أحوج من هذه الدموع إلى نصائح في التعامل مع النوازل.. مع الفقد.. مع الألم..
كنا بحاجة إلى تعليمنا كيف يصبر أحدنا إن فقد أحد والديه بدلاً من اتخاذنا عبرة لمن يعتبر..
كنا بحاجة إلى من يعلم الناس كيفية التعامل مع ذي القلب المكلوم، كيف يصادقه دون أن يشفق عليه تلك الشفقة التي لا تقل مرارتها عن مرارة الفقد..
ليتهم يعلمون أن الذي فقد أحد والديه قد رأى الدنيا على حقيقتها.. وقد رأى ما يستحيل على غيره رؤيته
وهذا ما سيجعل هؤلاء الأطفال ينظرون إلى الذي سكب دمعهم دون مبالاة نظرة لا يخالطها حب ولا تقدير!
فإن مات والدي ـ رحمه الله ـ فإن قلبي لم يمت.. لا يزال يخفق بين أضلعي ويشعر كما تشعرون..
فلتحذروا دموع اليتامى قبل أن تكون سيلاً جارفاً لا يُبقي ولا يذر...!
نرمين
الاثنين
١٦ ـ جمادى الأولى ـ ١٤٣٥ هـ
..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق