الجمعة، 16 أغسطس 2013

فوسوستُ إلى الشيطان..





وعلى عكس حال العاشقين أشعر بالملل أثناء النهار حتى ظننت أنه لن ينقضي. وحين أرخى الليل سدوله بعد طول انتظار وترقب وتضرع إلى الله، وسكنت كل نفس فلا تسمع إلا همس الخليل لخليله، أونحيب حبيب بعد فقد حبيبه، رأيت القمر يغيب من مكان ساتراً عاشقين جمعتهم الدنيا بعد أن قُطّعت حبال الأمل والوصل بينهما ويلوح في مكان آخر ليكشف خيانة ونفساً دنيئة، انتظرت حتى مضى هزيع من الليل، ثم مضيت إلى فراشي أجر ذيل الحسرة على هذه الليالي التي لم يجد فيها الكرى إلي سبيلاً، موهمة من حولي أن النوم قد ضرب أطنابه.

ولما أن استلقيت في حضن الظلام واختلطت أنفاسي بأنفاس الليل الباردة،
جاءني الشيطان فقرب إلي أذنه وقال: ألا تتحدثين؟!
فبدأت أسقي سمعه بأحاديث الحب لعل قلبه يزهر ويخضر فيرعوي عن أذيته لبني آدم!

وفي الحقيقة أني ما عشت الحب ( أعني مثل ذاك الذي نسمع عنه في الأشعار من حب قيس وليلى وما شابهه)، ولا ذقت حلاوته التي يزعمون، وأحسبني ـ والله حسيبي ـ أني جربت مرارة الفقد والفراق وهي النقطة التي تُختم بها كل قصة قامت على ذلك الجنون. ولست أعلم ما الداعي إلى ذلك ولم المقام في قلبي لا يطيب لمن أكرمتهم وحفظتهم في سويدائه. 

على كل حال لست هنا لأتفجع وأتوجع وأُغرق قلوبكم وما جاورها بالدمع، لكني أحمد الله أن وهبني حكمة أرشدتني إلى الثقة بأنه لابد دون الشهد من إبر النحلِ، ولابد دون الحب من ألم الفراق!!
لذلك فإني بكل فخر وبكل كفاح وإصرار أكتب عن الحب دوماً وأتحدث عنه كما لو أني إلف يذكر إلفه آناء الليل وأطراف النهار!
فما تظنون أني متحدثة عنه أو ملقية به في سمع الشيطان؟

بدأت أنشده بعضاً مما حفظته من أحاديث الحب اللذيذة ـ هكذا وصفوها! ـ فقلت قال الشاعر:
فقدتك فقدان الربيع لطيبه .. وعدت إلى الإعياء والسقم والوجد

ثم سمعت بعدها همهمة لم أفهم منها سوى كلمتي: الويل والثبور، فقطعت حديثي ورمقته بنظرة ترمي بشرر، فتكوّر بعضه على بعض فزعاً وأطرق يكمل إنصاته إلى حديثي حتى بلغت قول الشاعر:
رمى الحب من قلبي السواد فأوجعا .. وصاح فصيح بالرحيل فأسمعا
وغرّد حادي البين فانشقت العصا .. فأصبحت مسلوب الفؤاد مفجعا
كفى حزَناً من حادث الدهر أنني.. أرى البين لا أسطيع للبين مدفعا
وقد كنت قبل اليوم باليوم جاهلاً .. فيا لك بيناً ما أمر وأوجعا

كان في تلك اللحظة قد أوشك الصبح أن يتنفس، وما أذن المؤذن: الله أكبر.. الله أكبر
حتى ولى الشيطان هارباً وهو يردد: ليت الفراق وليت الحب ما خلقا.. ليت الفراق وليت الحب ما خلقا

وها أنا يا أحبتي أقضي ليلتي هذه أنتظر عودته لأكمل حديثي الذي انقطع، ولست أسمع إلا رجع فراقه...!

فبالله عليكم ما ذنبي أنا وكلما تحدثت عن الحب قرِّضتُ بمقاريض الرحيل وكأنهم يحاولون إسكاتي؟!



الجمعة
٩ ـ شوال ـ ١٤٣٤ هـ



..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق