الأربعاء، 24 يوليو 2013

مشروع العمر..!






أنا هنا لا أتحدث بطبيعة الحال عن الزواج ، مع علمي التام أن هذا الاسم (مشروع العمر) يتردد في ذهن العزابية بشكل كبير هذه الأيام وخصوصًا مع تكاثر حفلات الزفاف ، الحقيقة أنني أقترح أن لايتم دعوة العزابية حتى لايحرقوا قلوبهم ويقطعوا أكبادهم، وأقترح أيضًا أن يضيفوا عبارة في بطاقات الدعوة تقول :"ممنوع اصطحاب الأطفال والعزابية"!

لا علينا .. لنعُد إلى موضوعنا .
إن مشروع العمر الذي أريد الحديث عنه ، ليس الزواج كما أسلفتُ ؛ ولكنه مختلف باختلاف المواهب والقدرات والطاقات ، فطالب العلم له مشروع عمره الخاص به وكذلك المهندس والطبيب والقانوني والمثقف والأكاديمي وسائر المجالات، بل إن مشروع العمر - وبإمكاننا أن نسميه مشروع الحياة أيضًا - ليختلف بحسب الذكورة والأنوثة، وبحسب البلدان، وبحسب الحاجات والمتطلبات، وبحسب الفضول أحيانًا، والرابط بين هذه الحيثيات هو أن لكل منتسب لها مشروعًا يقضي فيه عمره لتحقيقه .
يمكننا توضيح الفكرة بقولنا :
هو مشروع يقضي فيه صاحبه عمره أو أغلب عمره في الحياة في سبيل تحقيقه، بغض النظر عن إمكانية رؤيته لثمرة مشروعه، وقد يراه حال الحياة ؛ ولكن مايميز هذا المشروع أنه مشروع كبير جدًا وغير مسبوق ويمثل نقلة معرفية أو بشرية للمجال الذي نشأ المشروع فيه، ومما يميز ذلك أيضًا أن صاحب المشروع حين يقدمه للناس يبقى اسمه كرائد من الرواد مابقيت الحاجة إلى مشروعه أو مابقي التطوير في فكرة مشروعه فيصبح اسمه حاضرًا في الأذهان كمؤسس لهذه الفكرة، فهو جزء من التاريخ الذي قضى عمره في كتابة تاريخه بنفسه ،ولكن من خلال مشروعه الرائد . فمشروع العمر هو مشروع غير مسبوق أو مشروع فشل في تحقيقه من قبل أشخاص لم يعتنوا فيه بكفاءة عالية أو حتى تجسيد شيء ماقد يعتبر خيالاً ولا يمكن تحقيقه على أرض الواقع .
وقد قيل بالمثال يتضح المقال ، فإن أذهاننا دائماً ماتقرن أولى محاولة للطيران بـ (عباس بن فرناس)، ثم يقرن التاريخ أول محاولة الطيران الناجحة بآلة طائرة ( بالأخوان رايت ) ؛ فعباس بن فرناس - رحمه الله - يعزو له التاريخ هذا الفضل مع أنه مات في أول محاولاته ليطير! ولكن بقي الإنسان يفكر جديًا في الباب الذي اكتسره (عباس) فبقيت الفكرة حتى ظهرت على أرض الواقع كطائرة حقيقة على يد (رايت) فلكل من الاسمين مشروع عمر وهو الطيران، سواء تحقق ذلك كما حالة (رايت) أو لم يتحقق لكنه أسس المفهوم كـ (عباس) .
في التاريخ الإسلامي هناك نماذج كثيرة جدًا جدًا ، بل كان مفهوم مشروع العمر حاضرًا في أذهانهم بشكل هائل مما جعل المجتمع الإسلامي في عهودهم الزاهرة مجتمعًا يزخر بالتقدم والتطور وبالمشاريع الناجحة، مما أفرز ثقافة مجتمعية لديهم بأهمية مشروع العمر وأهمية كتابة تاريخهم بأنفسهم .
البخاري رحمه الله كان ذات يوم في حلقة شيخه إسحاق بن راهويه، يقول البخاري : كنت عند إسحاق بن راهويه فقال بعض أصحابنا لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب"، فانطلقت هذه الفكرة كالإعصار في ذهنه، فبقي ١٦ عاماً في جمع كتابه الصحيح، فأصبح كتابه يتداوله المسلمون جيلاً وراء جيل حتى عصرنا الحديث .
وبعد قرابة ٥٠٠ قرن أتى ابن حجر العسقلاني - رحمه الله - فألف كتابه الباهر (فتح الباري) يشرح فيه كتاب البخاري، فمكث سبع سنوات فقط في كتابة المقدمة ، ثم ٢٦ سنة في إملاء باقي شرحه فاجتمع له ٣٢ سنة في تأليف شرح البخاري، مايعني ضعف مامكث فيه البخاري في جمع صحيحه !
محمد الفاتح كان منذ نعومة أظافره يحلم بفتح القسطنطينية ، ويود لو يكون هو الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" لتفتحن القطسنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، وفعلاً بقي الفاتح - رحمه الله - يطور قدرة الجيش العثماني لكي يستطيع دخول القسطنطينية بمدافع لم يعرف لها العالم مثيلاً في ذلك الوقت ، ثم تحقق له الهدف المراد سنة ( ٨٥٧هـ) ففتح القسطنطينية ولُقب بالفاتح.
صلاح الدين الذي كان يؤرقه كثيرًا ما فعل النصارى بأرض المقدس واحتلالهم له، بعد أن بقي المسجد الأقصى قرابة ٩٠ عامًا يرزح تحت نيران الاحتلال الصليبي، وبقي يُعد العدة ويرتب التراتيب التي مكنته بفضل الله من طرد أولئك المحتلين وأصبح علامة بارزة في تاريخنا المجيد.

وقبل ثلاثة قرون تقريبًا في إحدى قرى نجد، خرج رجلٌ يدعوا إلى التوحيد الخالص لله عز وجل ويدعو لنبذ الشرك ووسائله، ولم يكن أحد يعلم أن هذه الدعوة سيقوم على نصرتها ثلاث دول متعاقبة، وتنتشر في أصقاع الأرض، فلبى نداءها السنوسي في ليبيا والذي بقي (عمر المختار) وهو أحد طلابها بوجه الاحتلال الإيطالي، وكذلك في الجزائر ومصر والمغرب وشنقيط والشام وتركيا والعراق والهند وباكستان والسودان وجزر القمر وفي أرجاء العالم الإسلامي، ذلكم هو محمد بن عبد الوهاب.

وقبيل أعوام قام أحد التجار بفكرة إنشاء إعلام إسلامي محافظ خالٍ من المنكرات الشرعية كظهور النساء متبرجات والموسيقى، فجازف بإنشاء قناة المجد وقد كانت يتيمة وسط ركام هائل من المجون والخلاعة، وقد راهن الكثير على فشلها، إلا أنها شيئًا فشيئاً أصبحت مجموعة قنوات، ثم انطلق الإعلام الفضائي الإسلامي بقنوات اخرى ليست لها علاقة بالمجد، ولكنها تُدين بالفضل لها في شق الطريق وفتحه، ذلكم التاجر هو (أبو الإعلام الإسلامي): الأستاذ / فهد الشميمري.

حسنًا بعد هذا العرض للمشاريع القوية التي قام على تنفيذها كبار وكبار ، ألن يتبرع أحدنا بمشروع يحقق لنفسه مجدًا ولأمته تقدمًا ؟!
هناك الكثير من المشاريع التي تنتظر أبطالها لتنفيذها، هناك التصميم وهناك التصوير وهناك الاختراع وهناك الكتابة وهناك الفكر وهناك العديد من المواهب والمجالات التي يحتاج المتميزون فيها لأن يخرجوا من بوتقة الأنا، والسير على غير هدى، إلى فضاء التميز والرقي والعمل الجاد في تحقيق المجد والتقدم .
ومع أنني لا اُريد إحراج أحد إلا أنني أريد السؤال مع عدم اشتراط الإجابة:
* هل لديك مشروع للعمر تعمل على تحقيقه ؟
* هل ترغب في المساعدة باكتشاف ماتريد تحقيقه لنفسك ولأمتك؟
ملاحظة : 
يقول الرافعي : إذا لم تزد على الدنيا بشيء فحتماً أنت زائدٌ عليها..!
وأقول : العظماء يعيشون حياة أكثر من غيرهم ؛ لأنه لا أحد ينسى مآثرهم.


لنديم العظمة، أحد أعضاء منتديات رذاذ..

أحببت إعادة نشره لأهميته، آملة أن لا يزعجه هذا الأمر إن رآه يوماً ما :)



..




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق