كلما تسلل الصباح رفعت الشمس رأسها بهدوء وفتحت عينها ليملأ نورها الأرجاء،
تمسح على الأرض بدفئها فيستيقظ النائمون ويرونها عين أمل تنبهت بعد سبات،
يستيقظون على تغريدات الفرح التي قطعت طول ليل من جفاه الكرى وأقض مضجعه السهاد
فيغسل النور وجهه ويمحو سواداً خلّفه الظلام.
الأشجار تميس أغصانها كأنها تلوح بأيديها لمن خرجوا سراعاً يبتغون الرزق والعلم
تحيي كفاحهم في هذا الصباح، وتيك الأزهار المتفتحة التي لم تجد سبيلاً للتعبير
عن سعادة بيوم جديد إلا لوناً زاهياً ورائحة شذية تطرب لها الأنفس، فإن جالت الأبصار
رأيتم بساطاً أخضر ممدوداً عن اليمين وعن الشمال يتراقص عليه رذاذ الماء فيبسم عن منظر
لا ينقلب عنه الصدر إلا منشرحاً، أما الطيور فترونها تغدو خماصاً لتروح بطاناً..
كل شئ يبدو مسروراً هذا الصباح، حتى تلك الثكلى التي فجعت في زوجها..
جلست أمامي بعد أن حيتني بابتسامة مرهقة تبدو وكأنها قد مرت عليها أيام كسنيّ يوسف،
سألتُها عن حالها وكيف أصبحت فأجابت أنها بخير، ثم انطلقت تتحدث: لم يتبقّ على يوم الغد
الكثير من الوقت، فهذا اليوم هو الذي انتظرته شهراً كاملاً، تبلغت بالصبر لأرى الفرح يبلغ
من أبنائي المكفوفين مبلغاً عظيماً. تستمر في حديثها ووصف سعادتها: غداً لن أقدم لهم بقايا
الخبز المتحجر كقلوب أهل مدينتنا هذه، سأقدم لهم خبزاً طرياً دافئاً تنعم به معدتهم وأجسادهم،
سأشتري لهم ما يحتاجونه من طعام وشراب وبعضاً من الملابس غير تلك الأسمال التي تبدو
وكأن الفقر تغذا عليها بقضمات متعددات ثم ذرا على ما تبقى منها غباره ففقدت رونقها،
سأكفيهم ولو لأيام قليلة نظرات أولئك المحسنين التي لا يخرجون من بعدها إلا أذلة صاغرين.
كانت تتحدث والفرح يجري على محياها، كلها أمل بأن نتاج تعبها سيخرج سعادة أبنائها من الأجداث.
كانت تتحدث وعلى تجاعيد جبينها قطرات عرق تلمع كأنها نور ألبسها إياه الكفاح والكدح.
بقيت أحدث نفسي بصبرها كل يوم وهي تصارع الألم والمرض ولا تتوانى عن خدمة تلاميذها ورعايتهم،
تنظف هذا، وتطعم تلك، تلعب مع الثالث، وتجهز مكاناً لنوم الرابع، تعلمهم، وتحنو عليهم،
تضمهم إلى صدرها بلا تردد أو تكلف، وتلمس وجوههم الغضة الناعمة بأكفّ صوّحت واخشوشنت،
تنسى آلامها بينهم فلا تمل ولا تكل لأنها ترى فيهم لقمة العيش التي ستطعمها أبناءها نهاية كل شهر..
تنظر إلى الساعة فتنهي حديثها وتستأذن للخروج لإكمال عملها والفرح لا يزال يمدّها بالنشاط
لتضاعف جهدها إلى أن يبلغ أبناؤها أشدهم فيخرجوا من سجن اليتم والفقر.
لم تكد تصل إلى الصف حتى استقبلتها نظرات شرسة تتبعها قاصمة الأمل والفرح:
تم حرمانكِ من استحقاقكِ لهذا الشهر!!
أدارت نحوي عيناً حائرة قد تندت فولّيت وجهي عنها وتشاغلت حياء من عجزي حتى عن التعليق!
الجمعة
8 ـ ذو الحجة ـ 1432 هـ

يالله ! :"""(
ردحذفاللهم ادم علينا نعمه واحفظها من الزوال ..
اللهم آمين..
ردحذفليس أمامنا سوى الدعاء عسى الله أن يفرج همومهم عاجلاً غير آجل..